الشيخ محمد رشيد رضا
386
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مقررا في النفس محتما لا هوادة فيه . وقد قال لي متشل أنس وكيل المالية بمصر في عهد كرومر انه يوجد إلى الآن في أوربة أناس لا يغتسلون مطلقا واننا نحن الانكليز أكثر الاوربيين استحماما وانما اقتبسنا عادة الاستحمام عن أهل الهند ثم سبقنا جميع الأمم فيها . فتأمل ذلك وقابله بعادات الأمم في النظافة التي هي الركن العظيم للصحة والهناء واعتبر هذه المسألة في الاعمال العسكرية كالخفارة عند عدم الحاجة إليها لئلا يتهاون فيها عند الحاجة إليها وجعلها مرتبة موقوتة مفروضة بنظام غير موكولة إلى غيرة الافراد واجتهادهم إذا تدبرت ما ذكرنا فاعلم أن اللّه تعالى شرع الدين لأجل تكميل فطرة الناس وترقية أرواحهم وتزكية نفوسهم ، ولا يكون ذلك الا بالتوحيد الذي يعتقهم من رق العبودية والذلة لأي مخلوق مثلهم ، وبشكر نعم اللّه عليهم باستعمالها في الخير ومنع الشر ، ولا عمل بقوي الايمان والتوحيد ويغذيه ويزع النفس عن الشر ويحبب إليها الخير ويرغبها فيه مثل ذكر اللّه عز وجل ، أي تذكر كماله المطلق وعلمه وحكمته ، وفضله ورحمته ، وتقرب عبده اليه بالتخلق بصفاته من العلم والحكمة والفضل والرحمة وغير ذلك من صفات الكمال . ولا تنس ان الصلاة شاملة لعدة أنواع من الذكر والشكر كالتكبير والتسبيح وتلاوة القرآن والدعاء ، فمن حافظ عليها بحقها قويت مراقبته للّه عز وجل وحبه له ، أي حبه للكمال المطلق ، وبقدر ذلك تنفر نفسه من الشر والنقص ، وترغب في الخير والفضل ، ولا يحافظ العدد الكثير من طبقات الناس في البدو والحضر على شيء ما لم يكن فرضا معينا وكتابا موقوتا ، فهذا النوع من ذكر اللّه المهذب للنفس ( وهو الصلاة ) تربية عملية للأمة تشبه الوظائف العسكرية في وجوب اطرادها وعمومها وعدم الهوادة فيها ، ومن قصر في هذا القدر القليل من الذكر الموزع على هذه الأوقات الخمسة في اليوم والليلة فهو جدير بأن ينسى ربه ونفسه ، ويغرق في بحر من الغفلة ، ومن قوي إيمانه وزكت نفسه لا يرضى بهذا القليل من ذكر اللّه ومناجاته بل يزيد عليه من النافلة ومن أنواع الذكر الأخرى ما شاء اللّه أن يزيد ، ويتحرى في تلك الزيادة أوقات الفراغ والنشاط التي يرجو فيها حضور قلبه وخشوعه ، وهو الذي استحسنه السائل . وجملة القول